ابن عجيبة

26

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الغيبة عما سوى اللّه ، والتغافل عن مساوئ الناس . وفي الحديث : « المؤمن ثلثاه تغافل » ، وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن غرّ كريم ، والمنافق خبّ لئيم » « 1 » وأما تحقيق الإيمان فيكون بالتفكر والاعتبار ، وبصحبة الصالحين الأبرار ، ثم يصير الإيمان ضروريا بصحبة العارفين الكبار . قال القشيري : قوله تعالى : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ : تصير المعارف ضرورية ، فيجدون المعافاة في النظر والتذكر ، ويستريح القلب من وصفي تردّده وتغيّره ، باستغنائه ببصره عن تبصره . ويقال : لا يشهدون هذا إلا بالحق ، فهم قائمون بالحق للحق مع الحق ، يبدي لهم أسرار التوحيد وحقائقه ، فيكون القائم فيهم والآخذ لهم عنهم ، من غير أن يردهم عليهم . ه . وباللّه التوفيق . ثم برهن على نزاهة أهل البيت النبوي بقوله : [ سورة النور ( 24 ) : آية 26 ] الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) يقول الحق جل جلاله : الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال ، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء . وهذه قاعدة السنة الإلهية ، أن اللّه تعالى يسوق الأهل للأهل ، فمن كان خبيثا فاسقا يزوجه اللّه للخبيثة الفاسقة مثله ، ومن كان طيبا عفيفا رزقه اللّه طيبة مثله . وهو معنى قوله تعالى : وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال وَالطَّيِّبُونَ من الرجال ، لِلطَّيِّباتِ من النساء فهذا هو الغالب . وحيث كان - عليه الصلاة والسلام - أطيب الأطيبين ، وخيرة الأولين والآخرين ، تبين كون الصديقة - رضى اللّه عنها - من أطيب الطيبات ، واتضح بطلان ما قيل فيها من الخرافات ، حسبما نطق به قوله تعالى : أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ ، على أن الإشارة إلى أهل البيت ، المنتظمين في سلك الصّدّيقيّة انتظاما أوليا ، وقيل : إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والصدّيقة وصفوان ، وما في اسم الإشارة من معنى البعد ، للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم ، وبعد منزلتهم في الفضل ، أي : أولئك الموصوفون بعلو الشأن : مبرؤون مما يقوله أهله الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة . وقيل : ( الخبيثات ) من القول تقال ( للخبيثين ) من الرجال والنساء ، أي : لائقة بهم ، لا ينبغي أن تقال إلا لهم . ( والخبيثون ) من الفريقين أحقّاء بأن يقال في حقهم خبائث القول . ( والطيبات ) من الكلم ( للطيبين ) من الفريقين ،

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( البر ، باب ما جاء في البخيل ، ح 1965 ) ، وأبو داود في ( الأدب ، باب في حسن العشرة ح 4790 ) ، والبيهقي في السنن ( 10 / 95 ) ؛ من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، بلفظ : « الفاجر » ، بدل « المنافق » .